‏إظهار الرسائل ذات التسميات تعليم - تربية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تعليم - تربية. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 28 مايو 2020

غموض المعرفة تُدمر العقل البشري


لقد شهد العصر الحالى ثورة معرفية جعلت عمليات التغيير والإصلاح أمرًا ضروريًا لدى دول العالم، إلا أنها قد انتاب البعض منها تخوفًا من تأثيراتها المتسارعة على قيمها وتراثها الحضاري بل وهويتها خاصة في ظل اتساع المعرفة والغموض المصاحب لها، والذى من شأنه تدمير المعرفة من ناحيةٍ، وتدمير العقل البشري من جهة أخرى.
فمن المؤكد أنَّ غموض المعرفة لا يُدمرها فحسب، وإنما يُدمر العقل أيضًا فيقول الجرجاني:" ثم إنَّ التَّوقَ إلى أن تقَرَّ الأُمورُ قرارَها وتوضَعَ الأشياءُ مواضِعها والنّزاعَ إلى بيانِ ما يُشكلُ" عبارة في غاية الأهمية يجب الوقوف عِندها؛ لكونها تستوجبُ توضِيحها وضوحًا كاملاً في عقل ونفس القارئ عالمًا أو طالبًا للعلمِ.
فإن الالتواء في النصوص والغموض في المعرفة، وعدم إزالة الشبهة والتدليس والتلبيس بها من شأنه أن يُدمرها، ويُدمر العقل معها. ذلك العقل الذى خُلق بفطرةٍ واستقامةٍ صحيحةٍ، قد تتغير طبيعته بما يُخالف ذلك، خاصة عندما أصبح الغموض إبداعًا، وصار الكاتب فيه مبدعًا عندما يقول ما لايُفهم، وصار القارئ فيه باحثًا عند أدواتٍ؛ لفهم ما كتبه كاتبًا، وقد أشار الجرجاني لذلك قائلًا: " شيء في سُوس العقل، وفى طباع النفس إذا كانت نفسًا".
وشيخنا الجليل لم يكن حريصًا على المعرفةِ فقط، ولكنه شديد الحرصِ على معرفة مكنونها؛ ليعرف ما يقرأ؟ وكيف يقرأ؟ وكيف يُحاور نفسه بما يقرأ؟ وكأن هذه التساؤلات تدفعُنا للوقوف على أسباب ضعف المعرفةِ لدى البعض منا، وفهمها فهمًا يجعل العقل ناقدًا لما يقرأ، مستنتجًا لمعرفةِ من معرفةٍ، فتتكاثر المعرفة، ويصير الثانى لبنة في صرحها.
وبذلك لم يكتفِ القارئ بالفهم كدرجة، وإنما انتقل إلى فكرة تحت الفكرة التى قرأها؛ ليُصبح غير مقتبس لجهود السابقين لنا، ولكنه مشارك في صرحها، ويُحاول الجرجاني هنا توضيح طريقة القراءة قائلًا " أعلم أنك لا تشفي الغُلَّة ولا تنتهي إلى ثَلَج اليقين، حتى تتجاوز حدَّ العلم بالشيء مجملا، إلى العلم" ويعنى أنه لابد أن تُحسنَ القراءة لما بين يديك، فإذا تعلمت القراءة، وليس لديك استعدادًا لبذل الجهدِ، فعليك بصنعة أخرى. لأن العلم عامة والمجمل منه خاصة يجب أن تتجاوزه وهذا يتطلب عقلاً يجتهدُ في فهمه، وقد أشار إليه قائلًا:" حتى تتجاوز حدَّ العلم بالشيء مجملًا، إلى العلمِ به مفصلَا، وحتى لا يقنعك إلا النظر في زواياه، والتغلغل في مكامنه، وحتى تكون كمن تتبع الماء حتى عرف منبعه". أى يُطالب القارئ بالبحث عن التفاصيل والدقائق ولا يكتفي بذلك بل عليه بالتغلغل في زواياها، والتعرف على خباياها، ويفرق بين الباطن والظاهر من كلام أهل العلم، وذلك يتطلب وقتًا وجهدًا، فكم من طالبٍ يفعل ذلك في عصرنا؟ وكم من طالبٍ يراجع علمًا مرارًا؛ ليستخرج معرفة من معرفةٍ؟ خاصة وأن العلم يربو بالمراجعة. وتتبع مصادره حتى يقف القارئ على ينابيع تلك المعرفة فتكشف العديد من الحقائق فيما قرأه بكتابٍ يراه البعض جيدًا والأخر متوسطًا.
فالكتاب المتوسط فكرًا ومعرفةً لدى البعض منا قد يكون جيدًا في طرحه لمن يُحسن القراءة له، وللعقل إعمالًا بقوله تعالى ﴿يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾(سورة يس ، الاية78)، فتخرج بمعرفة تبث فيها من روحك حياةً  لطلاب العلم معرفة، فينتج منها علمًا ومعرفةً كنت سببًا لها.
ونخلص من ذلك بتساؤلات عده حول دور مؤسساتنا العلمية والتربوية القائمة هل تمتلك مقومات إعداد وتأهيل طلاب للبحث عن المعرفة وفهمها والتغلغل في ثناياها؟ أم أنهم حاملي شهادة علمية لا يملكون من القدر إلا القليل؟ أم أنهم قادرون على تزويد المعرفة وتراثنا بإرثٍ يُمكن الأجيال القادمة الاستفادة منه، وبناء مستقبل أفضل لا يجعلنا تحت سيطرت الأمم الأخرى؟ وتجعلنا مصدرًا للمعرفة، ومشاركين في بناء الحضارة الإنسانية.